تبلیغات
بنت الدورق - اشعار نزار قبانی

إلى أین یذهب موتى الوطن


 
نموت مصادفةً ..
 
ككلاب الطریق .
 
ونجهل أسماء من یصنعون القرار .
 
نموت ...
 
ولسنا نناقش كیف نموت ؟
 
وأین نموت ؟
 
فیوماً نموت بسیف الیمین .
 
ویوماً نموت بسیف الیسار ..
 
نموت من القهر
 
حرباً وسلماً ..
 
ولا نتذكر أوجه من قتلونا
 
ولا نتذكر أسماء من شیعونا
 
فلا فرق – فی لحظة الموت –
 
بین المجوس ..
 
وبین التتار ...
 
بلادٌ ..
 
تجید كتابة شعر المراثی
 
وتمتد بین البكاء .. وبین البكاء
 
بلادٌ ..
 
جمیع مدائنها كربلاء ... 
 

 
بكعب الحذاء تدار ..
 
فلا من حكیمٍ ..
 
ولا من نبیٍ ..
 
ولا من كتاب .
 
بلادٌ ..
 
بها الشعب یأخذ شكل الذباب !! 
 
 
بلادٌ ..
 
بلادٌ یسیجها الخوف ،
 
حیث العروبة تغدو عقاباً ..
 
وحیث الدعارة تصبح طهراً
 
وحیث الهزیمة تغدو انتصار ... 
 
 
 
مبادئ .. بالرطل مطروحةٌ
 
على عربات الخضار ..
 
تكفل حریة الرأی .. تعرض كالفجل
 
فی عربات الخضار .
 
قصائد .. لیس علیها إزار
 
تضاجع فی اللیل كل خلیفه ..
 
وترضی جمیع جنود الخلیفه ..
 
وترمى صباحاً كأیة جیفه
 
عل عربات الخضار .. 
 
 
 
بلادٌ .. بدون بلاد
 
فأین مكان القصیدة
 
بین الحصار ، وبین الحصار ؟
 
فعل انتحار .. 
 


 
بلادٌ ..
 
تحاول أشجارها
 
من الیأس ،
 
أن تتوسل تأشیرةً للسفر ..
 
بلادٌ ..
 
تخاف على نفسها من قصیدة شعرٍ ..
 
ومن قمر اللیل ،
 
حین یمشط شعر المساء .
 
وتخشى على أمنها
 
وعیون النساء .. 
 
 
 
أفتش عن وطنٍ لا یجیء ..وأسكن فی لغةٍ
 
لیس فیها جدار ... 
 
 
 
بلادٌ ..
 
تعد حقائبها للرحیل
 
ولیس هناك رصیفٌ 
 
 
 
إلى أین یذهب موتى الوطن ؟
 
وكل العقارات فیه
 
ومن یدلكون بزیت البنفسج صدر الرئیس ..
 
وظهر الرئیس ..
 
وبطن الرئیس ..
 
ومن یحملون إلیه كؤوس اللبن ..
 
إلى أین یذهب ؟
 
وما عندهم شقةٌ للسكن !! 
 
 
 
ولو موتنا ..
 
كان من أجل أمرٍ عظیم
 
لكنا ذهبنا إلى موتنا ضاحكین
 
ولو موتنا كان من أجل وقفة عزٍ
 
وتحریر أرضٍ ..
 
وتحریر شعبٍ ..
 
سبقنا الجمیع إلى جنة المؤمنین
 
ولكنهم .. قرروا أن نموت ..
 
لیبقى النظام ..
 
وأخوال هذا النظام ..
 
وتبقى تماثیل مصنوعةٌ من عجین !! 
 
 
 
یموت الملایین منا
 
ولا تتحرك فی رأس قائدنا
 
شعرةٌ واحده ..
 
ولم أك أعرف أن الطغاة
 
یضیقون بالآلة الحاسبه .. 
 
 
 
أحاول بالشعر ..
 
أن أستعید مرایا النهار .
 
وعشب الحقول ،
 
وضوء النجوم ،
 
وأستنبت القمح من تحت هذا الدمار . 
 
 
 
أحاول بالشعر ..
 
إنهاء عصر التخلف ،
 
حتى أؤسس عصراً جدیداً
 
من الورد والجلنار .
 
أحاول بالشعر ..
 
تفجیر عصرٍ
 
وتغییر كونٍ ..
 
وإشعال نار .. 
 
 
 
بحثت طویلاً عن المتنبی
 
فلم أر من عزة النفس
 
بحثت عن الكبریاء طویلاً
 
ولكننی لم أشاهد
 
بعصر الممالیك
 
إلا الصغار .. الصغار ...
 
من الورد والجلنار . 
 
 
 
أحاول بالشعر ..
 
تفجیر عصرٍ
 
وتغییر كونٍ ..
 
وإشعال نار .. 
 
 
 
بحثت طویلاً عن المتنبی
 
فلم أر من عزة النفس
 
إلا الغبار ..
 
بحثت عن الكبریاء طویلاً
 
ولكننی لم أشاهد
 
بعصر الممالیك
 
إلا الصغار .. الصغار ...

................................................

أنا والفصول

لم یكن الربیع صدیقی
فی یومٍ من الأیام.
ولا تحمست
لطبقات الطلاء الحمر، والأزرق
التی یضعها على وجهه..
ولا للأشجار التی تقلد
راقصات الـ (فولی بیرجیر)
الخریف وحده..
هو الذی یشبهنی.

...................................................

إغضب !!


إغضب كما تشاء..
واجرح أحاسیسی كما تشاء
حطم أوانی الزهر والمرایا
هدد بحب امرأةٍ سوایا..
فكل ما تفعله سواء..
كل ما تقوله سواء..
فأنت كالأطفال یا حبیبی
نحبهم.. مهما لنا أساؤوا..
إغضب!
فأنت رائعٌ حقاً متى تثور
إغضب!
فلولا الموج ما تكونت بحور..
كن عاصفاً.. كن ممطراً..
فإن قلبی دائماً غفور
إغضب!
فلن أجیب بالتحدی
فأنت طفلٌ عابثٌ..
یملؤه الغرور..
وكیف من صغارها..
تنتقم الطیور؟
إذهب..
إذا یوماً مللت منی..
واتهم الأقدار واتهمنی..
أما أنا فإنی..
سأكتفی بدمعی وحزنی..
فالصمت كبریاء
والحزن كبریاء
إذهب..
إذا أتعبك البقاء..
فالأرض فیها العطر والنساء..
والأعین الخضراء والسوداء
وعندما ترید أن ترانی
وعندما تحتاج كالطفل إلى حنانی..
فعد إلى قلبی متى تشاء..
فأنت فی حیاتی الهواء..
وأنت.. عندی الأرض والسماء..
إغضب كما تشاء
واذهب كما تشاء
واذهب.. متى تشاء
لا بد أن تعود ذات یومٍ
وقد عرفت ما هو الوفاء...

......................................................